The Conformist

The Conformist ★★★★★

يفتتح المخرج الايطالي بيرناردو بيرتولاتشي "فتنته" السينمائية هذه مع شخص يجلس على سريره يتململ يميناً ويساراً، ينتظر شيء ما، يجاوره حسناء نائمة عارية تماماً ... يرن الهاتف، يرد عليه البطل بلهفة ... يكلف بمهمة قد بتدو سهلة للوهلة الاولى ... مهمة اغتيال لأحد معارضي الفاشية في زمن موسيليني، انها مهمة سهلة ل قاتل محترف مخضرم في سلك الشرطة السرية الفاشية، يغلق البطل سماعة الهاتف، يغطي جسد المعشوقة النائمة العاري بكل رقة، يغادر سريره ويخرج من بيته ليؤدي واجبه ... 

بيرتولاتشي يقص علينا حكاية رجل يحاول ان يمضي بأيامه محولاً نسيان خيبات الماضي ... رجل قتل شعوره بالماضي كل ما كان يحيط به، رجل يحاول ان ينسى ماضيه المعذب ويعيش حاضره بشكل اعتيادي ك معظم البشر ... يحاول ان يبدأ علاقة جديدة، ان يبحث عن زوجة لكي يبدأ معها حياته بشكل اعتيادي ... لكن اشباح الماضي تعود اليه وتلاحقه بكل ثانية في حياته الجديدة ... هو أصلاً رجل لا ينفك ابداً ان يخرج من قوقعته، بل لا يستطيع ان يفعل ذلك ابداً، لا يساوره أدنى احساس بالذنب عندما يجعل من شهر عسله في باريس غطاء لمهمة الاغتيال، بل لا يساور مشاعره اَي ذرة من الخذلان او الذنب عندما يخون زوجته مع زوجة غريمه لكي يتقرب منه في شهر عسله ... وتوالياً تتحول تلك المهمة السهلة الى مهمة معقدة عندما يعلم ان الهدف كان أستاذه الجامعي الذي يحبه ويكن له كل الاحترام بل حتى انه يتبنى الكثير من أفكاره ... 

بيرتولاتشي يصنع بدعة سردية من خلال التلاعب في الفلاش باك والفلاش فورورد ... يخلط الأوراق ويبعثرها، يفتح الكثير من الخطوط والاتجاهات، قد يرهق المشاهد بل سيجبره على استنزاف اخر ذرة من قواه الإدراكية لربط كل تلك الخطوط مع بعضها ... 

بيرتولاتشي يغوص عميقاً بالنفس البشرية، يخلق رجل بلا هوية يحاول جمع شتات نفسه بين ماضيه البرجوازي مع أمه المدمنة ووالده المتخلف عقلياً، وبين ميوله الجنسية الدفينة قديماً، وبين جريمة أرغم على ارتكابها بحق نفسه أولاً قبل ان تكون على حساب شخص اخر عندما كان عمره 12 سنة فقط ... 

بطل بيرتولاتشي هذا يدخل في دوامة سيكولوجية مريرة، انه ذلك الشخص الذي لا يبحث عن الكثير، ولا يريد ان يحصل على الكثير، هو ذلك الشخص الذي يريد ان ينساق ل ركوب اَي موجة او تيار ليبقي حياته متوازنة، يريد ان يحيا حياة طبيعية ليهرب من ماضيه ... 

بصرياً هذا المنجز الفيلمي محكوم بإبداع بل يمكنني ان أقول وبكل صراحة انه اعجاز سينمائي ... تصميم تلك البيئة الإيطالية الفاشية بتلك الدقة كان منجز عظيم ... التصوير السينمائي كان عبارة عن "إغراء" سينمائي واضح وصريح، تلاعب وتوظيف عبقري بالظلال والضوء، انه ذلك النوع من الاغراء الذي حين تراه عينا المشاهد تبدأ باللمعان والرقص يميناً وشمالاً ... انه ذلك النوع من الاغراء الذي حين يراه المشاهد وكأنه يرى فاتنة عارية جسدها يقتل قلوب كل من شاهدها ... انه ذلك الاغراء الذي حين يراه المشاهد يخجل من نفسه في البداية لكنه لا يمنع نفسه من التمتع بتلك "الفتنة" حتى يصل اخيراً إلى مرحلة النشوة التي قد تأتي في هذا الفيلم مرة،ومرتين، واُخرى تلحق بالمرتين، ومرات عديدة كثيرة، ومن ثم اخيراً وبعد كل تلك النشوات يصاب ذهن ذلك المتلقي بالإشباع ويطير عالياً في السماء ... تصوير هذا الفيلم هو درس في عبقرية توظيف الزوايا والتناظر والتوازي وإسقاطها على شخصياته، درس في كيفية جعل عدسة الكاميرا تنطق، درس بجعل اللغة البصرية وسيلة للسرد ... في احد المشاهد وحين يقابل البطل غريمه بالمرة الاولى، يفتح الغريم ستائر المكتب المعتم ويقول للبطل "الفاشي الحقيقي لا يتكلم بتلك الكيفية" وعند فور انتهائه من كلامه يتلاشى ظل البطل ... وكان بيرتولاتشي يترجم انقسام شخصية بطله بين الماضي والحاضر وبين الفاشية وما قبلها بظلال ... نعم فالظل الفاشي لا يمكن ان يلازم صاحبه غير المخلص لتلك الحركة، وقد يتخلى عنه عند أدنى لحظة شك بذلك الكيان ... يمكنني ان أقول ان التصوير في هذا الفيلم هو واحد من أفضل ما شاهدت عيني في تاريخ السينما، ان لم يكن الأفضل على الإطلاق ... 

بيرتولاتشي يصنع فيلماً بديعاً بسرده، موزون ب إيقاعه، ومحكم البناء في شخصياته، يصنع منجزاً بصرياً فاتناً ... يصنع تحفة كلاسيكية خالدة بل يصنع وكما احببت ان اطلق عليه "فتنة سينمائية خالصة" 

The Conformist (1970)
Written & Directed by Bernardo Bertolucci 
.
.

Louai liked this review